
إيجاد معنى والحفاظ على الأمل بعد الفقدان
التعامل مع الفقدان هو عملية شخصية. كيف يمكن تعزيز الأمل حتى في اللحظات الصعبة؟ نصائح من أخصائية اجتماعية من قسم عائلات الثكل
فقدان شخص عزيز يترك فراغًا لا يمكن ملؤه، وعندما يتعلق الأمر بعائلة ثكلى، يكون الفقدان غالبًا مفاجئًا ومصحوبًا بمشاعر عميقة من الحزن الشديد، الشوق، الغضب، وأحيانًا فقدان الاتجاه. الحياة التي كانت مألوفة تتغير فجأة، وقد يبدو العالم بلا معنى أو لون.
داخل الألم العميق والمعقّد، تبرز تساؤلات جوهرية: كيف يمكن المضي قدمًا؟ كيف يمكن مواجهة الفراغ؟ هل هناك طريقة للعثور على الأمل والمعنى في الحياة حتى بعد فقدان كبير كهذا؟ وما الذي يمكن أن يساعد في الحفاظ على الأمل داخل الواقع الجديد والمعقّد؟ هذه الأسئلة وغيرها تظهر لدى العديد من الأشخاص الذين فقدوا أحبّاءهم، وتعود لتتكرّر في مراحل مختلفة من الحياة.
كعاملات اجتماعيات في قسم العائلات، نحن نرافق العائلات الثكلى منذ سنوات طويلة. لقد شاهدنا عن قرب الصعوبات، ولكن أيضًا القوة الهائلة والطرق المتنوعة التي يجد فيها الناس الراحة والمعنى. في السطور التالية، سنشارك بعضًا من الأفكار التي اكتسبناها خلال الطريق، وربما يمكنها أن تنير زوايا مظلمة أيضًا في طريقك.
الأمل في سياق الفقدان
الأمل في سياق الفقد لا يشير إلى توقع زوال الألم أو عودة الحياة إلى ما كانت عليه، بل إلى الإيمان بإمكانية وجود الخير حتى داخل الواقع الجديد والمعقّد. بمعنى، إمكانية بناء حياة ذات معنى بجانب الفقد والذكرى.
من خبرتنا المهنية، يبقى الثقب في القلب دائمًا هناك، لكن يتكيف الإنسان مع العيش بجانبه. إذا كان في البداية يتغلغل في كل زاوية من النفس، فإنه لاحقًا يبقى الثقب موجودًا، ويمكن تعلم كيفية ملء الحياة بجانبه. نحن نشرح للعائلات أن الأمر يشبه إلى حد ما الشخص الذي فقد يده، حتى مع وجود طرف صناعي، يبقى فاقد اليد. بالنسبة للعائلات الثكلى، يبقى الثقب دائمًا.
التصور الحديث للعزاء والثكل
في الماضي، كان يُنظر إلى عملية العزاء على أنها عملية تتطور بشكل متسلسل وأحادي الاتجاه، وتتألف من خمسة مراحل محددة تُعرف باسم: "مراحل العزاء الخمسة" - وهو نموذج طورته عالمة النفس إليزابيث كوبلر-روس.
مع مرور السنوات، تعمّقت وتوسّعت الفهم المهني. أظهرت الأبحاث والخبرة السريرية أن عمليات العزاء أكثر تعقيدًا وفردية مما كان يُعتقد سابقًا. تطوّر العلاج المتعلق بالفقد والثكل من فهم سطحي نسبيًا إلى تصور متعدد الأبعاد لتجربة العزاء.
التصور الحديث يعتبر العزاء عملية أكثر تعقيدًا ويركز على "النموذج ثنائي المسار للفقد والثكل"، الذي طوّره البروفيسور شمشون روبين من جامعة حيفا. هذا النموذج يتناول عمليتين متوازيتين:
- تأثيرات الفقدان على الأداء اليومي: محور وظيفي يتناول الحياة اليومية، وأحيانًا يتم التقدم خطوة إلى الأمام والخطوتين إلى الوراء.
- العلاقة الشخصية مع الشخص المتوفى: علاقة تستمر في الوجود حتى بعد الفقدان. هذه العلاقة لا نهائية، تتطور وتتغير مع مرور الوقت.
هذا النهج يمنح الشرعية لمجموعة واسعة من طرق التعامل وردود الفعل، ويعترف بأن كل فرد يتعامل مع الفقدان بطريقة شخصية وفريدة.
العلاقة العلاجية كمصدر للأمل والدعم
للمرافقة المهنية دور هام في عملية التعامل مع الفقد. العلاقة بين الطاقم العلاجي وبين العائلات الثكلى تُعتبر ركيزة ومصدرًا للأمل.
في العملية العلاجية، يتم توفير مساحة غير حكمية للتعبير عن الألم والحزن، ولكن يتم أيضًا العمل على التعرف على "ما هو موجود" في الحياة، والتركيز على النقاط المضيئة الصغيرة والإنجازات اليومية التي قد تبدو أحيانًا بديهية. من المهم دائمًا تذكير العائلات بأنه عندما يفقد الإنسان شخصًا قريبًا ويتمكن من النهوض من السرير صباحًا - فهذا إنجاز يستحق الاعتراف.
العلاقة العلاجية تتيح استمرار المرافقة حتى بعد سنوات طويلة من الفقد، وتفتح مساحة آمنة للتعامل مع الأحداث المهمة: أول عيد، أول عيد ميلاد، والعديد من المحطات المفصلية الأخرى في الحياة.
العيش بجانب الفقدان
التعامل مع الفقدان هو عملية شخصية وداخلية، وكل شخص يجد الطريقة المناسبة له. لا توجد طريقة واحدة صحيحة، بل إن التنوع في استراتيجيات التعامل هو ما يتيح لكل فرد العثور على المسار الصحيح. هذه بعض الطرق الموصى بها:
أخذ كل يوم بيومه. التركيز على التعامل مع اليوم الحالي، دون محاولة مواجهة المستقبل بأكمله دفعة واحدة.
التركيز على النجاحات الصغيرة: التعرف على النجاحات الصغيرة التي تحدث لك على طول الطريق، وبناء حياتك المستقبلية منها.
استلهام الإلهام من الآخرين. عائلات الثكل الحديثة تعبر في كثير من الأحيان عن رغبتها في التحدث مع عائلات الثكل القديمة، لفهم ما ينتظرها. المشاركة وتجربة اللقاء مع الآخرين الذين مروا بفقد مشابه توفر عزاء، شعورًا بالتضامن، أملًا ومنظورًا.
إعطاء مساحة لكل طيف المشاعر: في عملية العزاء، تظهر أحيانًا مشاعر معقدة قد تبدو "غير مناسبة"، مثل الغضب، الراحة، الشعور بالذنب، أو حتى الضحك والفرح في لحظات معينة. من المهم أن ندرك أن جميع المشاعر هي جزء مشروع من عملية التعامل الداخلي مع الفقد. تقبّل الذات لمجموعة متنوعة من المشاعر، دون إصدار أحكام أو انتقاد ذاتي، يتيح معالجة الفقد بطريقة أكثر صحة. التحدي الأساسي يكون أولاً مع أنفسنا وتوقعاتنا من ذاتنا، قبل مواجهة البيئة المحيطة.
التعامل مع البيئة والتوقعات الاجتماعية
إلى جانب العمل العاطفي الداخلي، هناك تحدٍ إضافي: اللقاء مع العالم الخارجي والعلاقة المعقدة مع البيئة المحيطة. بعد الفقد، قد يضع المجتمع المحيط توقعات حول "كيفية الحداد بشكل صحيح"، مثل: كم من الوقت يجب البقاء في المنزل، متى يجب العودة إلى العمل، وكيفية التصرف في المناسبات العائلية.
من المهم أن نتذكر أولاً أن الأشخاص من حولنا يريدون فقط تقديم المساعدة. ولكن في الواقع، قد يكون ذلك أحيانًا خانقًا. من الضروري معرفة كيفية الاستفادة من البيئة القريبة، التحدث عن ما يمكن أن يساعدني، ما يناسبني وما لا يناسبني.
من المهم فهم أنه يجوز وضع حدود:
قول "لا" لدعوات المناسبات عندما يكون الأمر صعبًا للغاية.
طلب من المحيط تجنّب عبارات مثل "الوقت كفيل بكل شيء".
التعبير عن الاحتياجات الشخصية، حتى وإن كانت تُعتبر استثنائية.
التوازن والاحترام المتبادل داخل الأسرة
حتى داخل العائلة الثكلى نفسها، قد تكون هناك طرق مختلفة للتعامل وديناميكية معقدة. كل فرد من أفراد العائلة يعيش الفقدان بطريقة فريدة، ولذلك تختلف أيضًا طرق التعامل من شخص لآخر. قد يختار الأب الانعزال بصمت، بينما قد ترغب الأم في الحديث والمشاركة، وقد يتفاعل الإخوة بطرق أخرى - وكل ذلك مشروع ومقبول.
غالبًا ما يظهر تحدٍ خاص حول أيام الذكرى والمناسبات الهامة، عندما تنشأ احتياجات متعارضة داخل العائلة. على سبيل المثال: زوج من الوالدين، حيث يرغب أحدهما في إحياء يوم الذكرى من خلال إقامة مراسم إحياء الذكرى ودعوة الضيوف إلى المنزل، بينما يفضل الآخر الانعزال والبقاء بمفرده.
قد تنشأ تعقيدات إضافية بين أجزاء مختلفة من العائلة الممتدة. على سبيل المثال، قد تكون هناك وجهات نظر مختلفة بين الأرملة ووالدي الضحية حول طرق إحياء الذكرى أو تربية الأطفال الأيتام. قد ترغب الأرملة في المضي قدمًا وبناء حياة جديدة، بينما قد يخشى والدا الضحية أن يتأثر الذكرى أو أن يبتعد التواصل مع الأحفاد. من ناحية أخرى، أحيانًا يرغب والدا الضحية في أن يكونوا مشاركين جدًا في حياة الأحفاد، بينما تحتاج الأرملة إلى مساحة واستقلالية في اتخاذ القرارات المتعلقة بعائلتها. في مثل هذه الحالات، يعمل جميع الأطراف بدافع الحب والاهتمام، لكن التعبير عن هذه المشاعر قد يختلف بشكل كبير.
كيف يمكن سد الفجوة؟
التخطيط المسبق ومشاركة التوقعات. التحدث عن الاحتياجات المختلفة مسبقًا وليس في اللحظة الأخيرة.
حل إبداعي على سبيل المثال، يُخصص جزء من اليوم للوقت الشخصي وجزء آخر لمراسم عائلية.
إعطاء شرعية لعدم المشاركة السماح لمن يحتاج إلى ذلك بالخروج من حدث عائلي والعودة عندما يكون ذلك مناسبًا له.
تطوير تقاليد عائلية مكمّلة: على سبيل المثال، إنشاء "ركن للذكرى" في المنزل يمكن لكل فرد الوصول إليه في أوقاتهم الخاصة، إلى جانب مراسم عائلية مشتركة. بهذه الطريقة، من يحتاج إلى الخصوصية يمكنه زيارة الركن في الأوقات المناسبة له، بينما من يبحث عن المشاركة يمكنه الانضمام أثناء اللقاء العائلي.
وساطة من قبل شخص خارجي. في بعض الأحيان، يمكن لشخص من خارج دائرة العائلة القريبة أن يساعد في الوساطة وإيجاد الحلول.
كل طريقة للتعامل مشروعة، وإن الاعتراف بالتنوع والاستماع المتبادل هما المفتاح لإيجاد توازن يحترم احتياجات جميع أفراد العائلة.
إيجاد معنى وأمل بطريقة شخصية
العديد من الأشخاص الذين يواجهون الفقدان يجدون الراحة والمعنى بطرق مختلفة. هذه بعض منها:
عمل ذو معنى يمكن أن تنمو الأمل من خلال العمل الذي يمنح معنى، على سبيل المثال: المشاركة في مشاريع اجتماعية، برامج تحضيرية، العمل مع الشباب والشابات.
التخليد بعض العائلات تجد معنى في تخليد ذكرى أحبائها، وهو أمر ذو قيمة ومعنى للعائلة ويرتبط بالقيم التي يرمز إليها الضحية، مثل: إنشاء مشروع اجتماعي، استضافة الجنود والجنودات الوحيدين، إدخال كتاب توراة، نشاط رياضي تخليداً لذكراه، وغير ذلك.
إعادة الاتصال بالأدوار ومجالات الحياة الأخرى. في عملية العزاء، أحيانًا توفر الأدوار الأخرى في الحياة دعامة ومعنى، مثل: أن تكون والدًا لأطفال آخرين في العائلة، العودة إلى عمل ذي قيمة، التركيز على هواية معينة، وغير ذلك. هذه الأدوار ليست "تشتيتًا" عن الألم، بل تذكيرًا بأنه حتى في ظل الفقد، تستمر الحياة في احتواء جوانب من المعنى والمسؤولية.
إيجاد مساحات آمنة للتعبير والمشاركة. إلى جانب الاعتراف الداخلي بالمشاعر، هناك أهمية كبيرة لإنشاء أماكن وظروف يمكن فيها التعبير عن التجارب والمشاعر ومشاركتها. يمكن تحقيق ذلك من خلال محادثات شخصية مع شخص قريب، المشاركة في مجموعة دعم لعائلات الثكل التي ينظمها قسم العائلات، كتابة يوميات، أو الإبداع الفني. إتاحة الفرصة للتعبير الصادق عن الألم في بيئة تحتوي وتدعم تُعد خطوة مهمة في عملية معالجة الفقد.
لست وحدك في الطريق
من المهم أن تتذكر أنك لست وحدك في هذه الطريق المعقدة. قسم العائلات يقف إلى جانبك في كل مرحلة - خلال الفترة الأولى الصعبة، وفيما بعد، حتى بعد سنوات طويلة من الفقد.
الأخصائيون والأخصائيات الاجتماعيون في القسم يرافقون العائلات منذ عشرات السنين، ويعتبرون ذلك رسالة حقيقية. نحن هنا لمساعدة العائلات وفقًا لرغبتها، بناءً على اختيارها وبوتيرتها الخاصة.
الدعم والمساعدة
لمزيد من الأسئلة، للاستشارة والمرافقة المهنية يمكن التوجه إلى:
الخط الساخن لمنظمة عيرن عبر الهاتف: ١٢٠١ أو عبر واتساب: 052-8451201.
لتحديد لقاء يمكن التواصل مع أخصائي أو أخصائية اجتماعية في المنطقة القريبة من مكان السكن.
معلومات إضافية حول مجموعات الدعم والمساعدة النفسية